الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

67

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

حتى يكون مشتركا فيكون قوله الثاني قرينة معينة لإرادة ذلك من أول الأمر أو أنه نسخ الحكم الأول بذلك من غير أن يكون هناك اشتراك بين المعنيين وليفرض هناك انتفاء العلاقة المصححة للتجوز لئلا يقوم احتمال المجاز وحينئذ ربما يرجح الاشتراك لغلبة على النسخ ولأنه يثبت بأي دليل ظني أقيم عليه بخلاف النسخ فإنه لا يثبت إلا بدليل شرعي بل ربما يعتبر فيه ما يزيد على ما يعتبر في الدليل على سائر الأحكام ولأن غاية ما يلزم من الاشتراك الإجمال أحيانا بخلاف النسخ فإن قضية إبطال العمل بالدليل السابق وأنت خبير بما في جميع ذلك فلا وجه لإثبات الوضع للمعنى المفروض بهذه الوجه الموهونة من غير قيام شاهد عليه من النقل أو الرجوع إلى لوازم الوضع ونحو ذلك مما يفيد ظنا به والأظهر عدم ثبوت اشتراك اللفظ بين المعنيين بمجرد رفع احتمال النسخ في مورد مخصوص ولا الحكم بثبوت النسخ هناك أيضا وقضية ذلك التوقف في حكمه بالنظر إلى ما تقدم على ورود الدليل المذكور وإن كان البناء على حمله على معناه الثابت والحكم بكون الثاني ناسخا له لا يخلو عن وجه سابعها الدوران بين النقل والمجاز والمعروف فيه ترجيح المجاز لا نعرف فيه خلافا لأصالة عدم تحقق الوضع الجديد وعدم هجر المعنى الأول ولتوقف النقل غالبا على اتفاق العرف العام أو الخاص عليه بخلاف المجاز مضافا إلى غلبة المجاز وشيوعه في الاستعمالات وما قد يتخيل في المقام من أن الدوران بين النقل والمجاز إنما يكون مع كثرة استعمال اللفظ في ذلك المعنى كما في الحقائق الشرعية ليكون من مظان حصول النقل حتى يتحقق الدّوران بين الأمرين وحينئذ فترجيح المجاز يستلزم اعتبار وجود القرينة في كل من استعمالاته مع كثرتها وشيوعها وقضية الأصل في كل واحد منها عدمها بخلاف ما لو قيل بالنقل وربما يحكى عن البعض ترجيحه النقل على المجاز لأجل ذلك ففرع عليه بثبوت الحقيقة الشرعية أخذا بالأصل المذكور موهون جدا إذ بعد ظهور التجوز في نظر العقل من جهة أصالة بقاء الوضع الثابت وعدم حصول ناسخ له مضافا إلى كثرته وشيوعه يحكم بلزوم ضم القرينة في كل استعمال واقع قبل ذلك أو بعده إذ ذلك من لوازم المجازية ومتفرعاته ولا يجعل أصالة عدمه مانعا من جريان الأصل في أصله لما عرفت من عدم معارضة أصالة عدم الفروع المترتبة على عدم الشيء لأصالة عدمه فإن قضية حجيّة الأصل الأخذ بمتفرعاته نعم لما كان الأمر في المقام دائرا مدار الظن فلو فرض تفرع أمور بعيدة عن نظر العقل على أصل المفروض أمكن معارضة له من جهة ارتفاع المظنة كما هو الحال في الحقيقة الشرعية إلا أن المقام ليس كذلك بل بالعكس لشيوع التجوز في الاستعمالات ومع الغض عن ذلك فإثبات الوضع بمجرد أصالة عدم ضم القرينة في الاستعمال استنادا في إثبات الأوضاع إلى التخريجات وقد عرفت ومنه مضافا إلى أن لزوم ضم القرينة إليه مقطوع به قبل حصول النقل فقضية الأصل بقاؤه فإن أريد من أصالة عدم ضم القرائن أصالة عدم لزومه فهو واضح الفساد إذ قضية الأصل فيه بالعكس استصحابا للحكم السابق وإن أريد أصالة عدمه مع لزوم اعتباره فهو أوضح فسادا منه فظهر بما قررنا أن قضية الأصل في ذلك تقديم المجاز ولو مع قطع النظر عن ملاحظة الظهور الحاصل من غلبة المجاز ثامنها وتاسعها الدوران بين النقل والتخصيص وبينه وبين التقييد والأمر فيهما ظاهر مما قررناه سيما بملاحظة اشتهارهما بحسب الاستعمالات مضافا إلى أن التزام التقييد غير ظاهر في استعمال اللفظ في المقيد فضلا عن ثبوت الوضع له عاشرها الدوران بين النقل والإضمار كما في قوله تعالى وحرم الربا فإن الربا حقيقة في اللغة في الزيادة ويحتمله نقله شرعا إلى العقد المشتمل عليها فعلى الأول يفتقر إلى إضمار مضاف كالأخذ دون الثاني وقد عرفت مما ذكرناه ترجيح الإضمار أنه مجرد أصالة عدم الإضمار لا يثبت وضعا للفظ سيما مع عدم ثبوت الاستعمال فيه فبعد ثبوت المعنى الأول وتوقف صحة الكلام على الإضمار لا بدّ من الالتزام به لا أن يثبت وضع جديد للفظ بمجرد ذلك وقد نص جماعة على أولوية الإضمار على النقل من غير خلاف يعرف به وفي كلام بعض الأفاضل نفي البعد عن ترجيح النقل عليه لكونه أكثر ولا يخفى بعده على أن الكثرة المدعاة غير ظاهرة إذ اعتبار ظاهر الإضمار في المخاطبات أكثر من أن يحصى وربما كان أضعاف المنقولات حادي عشرها الدوران بين النقل والنسخ وفي المنية ترجيح النقل عليه وكأنه لكثرة النقل بالنسبة إلى النسخ وأنت خبير بأن بلوغ كثرة النقل وقلة النسخ إلى حد يورث الظن بالأول غير معلوم لطريان النسخ كثيرا على الأحكام الشرعية والعادية فلو سلم الغلبة في المقام فليست بتلك المثابة فقضية ثبوت المعنى الأول وعدم ثبوت الثاني هو البناء على النسخ أخذا بمقتضى الوضع الثابت وقد يرجح النقل أيضا بما مر من الوجه في ترجيح الاشتراك على النسخ وقد عرفت وهنه فتأمل في بيان ما يستفاد منه حال اللفظ بالنسبة إلى خصوص الاستعمالات وهي وجوه عشرة أحدها الدوران بين المجاز والتخصيص والمعروف ترجيح التخصيص وقد نص عليه جماعة من الخاصة والعامة كالعلامة وولده رحمه الله والبيضاوي والعبري والأصفهاني وغيرهم وربما يعزى إلى المصنف التوقف في الترجيح فيتوقف البناء على كل منها على مرجح خارجي وكأنه لما في كل من الأمرين من مخالفة الظاهر ولا ترجيح بحسب الظاهر بحيث يورث الظن بأحدهما وفيه أنه في التخصيص رجحان على المجاز من وجوه شتى أحدها أن التخصيص أكثر من المجاز في الاستعمالات حتى جرى قولهم ما من عام إلا وقد خص مجرى الأمثال وقد يستشكل فيه بأن الأكثرية الباعثة على المظنة ما إذا كان طرف الآخر وأما إذا كان شائعا أيضا فإفادتها للظن محل تأمل كما هو الحال فيما نحن فيه لعدم ندرة المجاز في الاستعمالات كيف وقد اشتهر أن أكثر اللغة مجازات وقد يقال بأن استعمال العام وفي عمومه نادر بالنسبة إلى استعمال اللفظ في معناه الحقيقي لشيوع الثاني فإذا دار الأمر في الخروج عن الظاهر بين الأمرين فالظاهر